أبي بكر جابر الجزائري
118
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
عَلى هُداهُمْ أي هدايتهم إلى الحق فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ « 1 » يُضِلُّ فخفف على نفسك وهون عليها فلا تأسف ولا تحزن وادع إلى ربك في غير حرص يضر بك وقوله لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ أي لا يقدر أحد أن يهدي من أضله اللّه ، لأن اضلال اللّه تعالى يكون على سنن خاصة لا تقبل التبديل ولا التغيير لقوة سلطانه وسعة عمله . وقوله وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي وليس لأولئك الضلال الذين أضلهم اللّه حسب سنته من ناصرين ينصرونهم على ما سينزل بهم من العذاب وما سيحل بهم من خسران وحرمان . وقوله تعالى في الآية ( 38 ) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ « 2 » جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ اخبار عن قول المشركين والمكذبين باليوم الآخر أصحاب القلوب المنكرة ، ومعنى أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ « 3 » أي حلفوا أشد الأيمان إذ كانوا في الأمور التافهة يحلفون بآلهتهم وآبائهم . وإذا كان الأمر ذا خطر وشأن أقسموا بالله وبالغوا في الإقسام حتى يبلغوا جهد أيمانهم والمحلوف عليه هو أنهم إذا ماتوا لا يبعثون أحياء فيحاسبون ويجزون فرد اللّه تعالى عليهم بقوله بَلى أي تبعثون وعد اللّه حقا فلا بد ناجز وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ « 4 » فلذا ينفون البعث وينكرونه لجهلهم بأسرار الكون والحياة وعلل الوجود والعمل فيه فلذا أشار اللّه تعالى إلى بعض تلك العلل في قوله : لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فلو لا البعث الآخر ما عرف المحق من المبطل في هذه الحياة والخلاف سائد ودائم بين الناس . هذا أولا . وثانيا : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ « 5 » في اعتقاداتهم وأعمالهم ونفيهم الحياة الثانية للجزاء على العمل في دار العمل هذه أما استبعادهم البعث بعد الموت نظرا إلى وسائلهم ووسائطهم الخاصة بهم فقد أخبرهم تعالى بأن الأمر ليس كما تقدرون أنتم وتفكرون : إنه مجرد ما تتعلق إرادتنا بشيء نريد أن يكون ، نقول له كن
--> ( 1 ) قرئ في السبع يهدي بضم الياء مبنيّا للمجهول وقرئ : يَهْدِي بفتح الياء مبنيّا للمعلوم وقراءة لا يهدي هي التي فسر بها في التفسير . وقراءة يهدي ، أي : أن اللّه إذا كتب على عبد شقاء لا يهديه للخلاص منه . ( 2 ) روي أن رجلا من المسلمين كان له دين على مشرك فقاضاه منه وقال في بعض كلامه : والذي أرجوه بعد الموت ، أنه لكذا وكذا فأقسم المشرك باللّه : لا يبعث اللّه من يموت ، فنزلت الآية . ( 3 ) ذكر القرطبي عن قتادة أن رجلا قال لابن عباس : إنّ ناسا يزعمون أنّ عليا مبعوث بعد الموت قبل الساعة يتأوّلون هذه الآية فقال ابن عباس : كذب أولئك إنّما هذه الآية عامة للناس فلو كان عليّ مبعوثا قبل يوم القيامة ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه . ( 4 ) روى البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ( قال اللّه تعالى كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمني ولم يكن له ذلك ) . ( 5 ) أي : في نفيهم البعث وإقسامهم على عدم وقوعه ، وفي إنكارهم التوحيد والنبوّة أيضا .